مقال مرعب عن الذكاء الاصطناعي.. لهذا يجب أن نخاف


هل تتذكر شهر فبراير عام 2020؟

حينها، حتى لو كنت تتابع الأخبار عن قرب، كان عدد قليل جدًا من الناس يتحدث عن فيروس ينتشر في الخارج، معدٍ، واسمه كورونا. لم يكن أحد يتوقع حظرًا شاملًا.
سوق الأسهم كان يحقق نجاحًا، أطفالك في المدرسة، أنت تخرج للأماكن العامة، تصافح الناس، وتخطط للرحلات.

ولو قال لك أحدهم إنه يخزّن المناديل والطعام خوفًا مما يُتداول في الإعلام، لكنت ظننت أنه قضى وقتًا طويلًا في زاوية غريبة من الإنترنت.

لكن خلال ثلاثة أسابيع فقط، تغيّر العالم كله.
جاء الحظر، وأصبح واقعنا.

أُغلق عملك، عاد أطفالك إلى المنزل، وأُعيد ترتيب الحياة بشكل لم تكن لتصدقه لو وصفه لك أحد قبل شهر واحد فقط. كنت ستقول إنه مزاح أو مبالغة.

أظن أننا اليوم في مرحلة تشبه ما حدث مع كورونا… لكن هذه المرة بسبب الذكاء الاصطناعي.


من داخل عالم الذكاء الاصطناعي

قضيت ست سنوات أبني شركة ناشئة في الذكاء الاصطناعي وأستثمر في هذا المجال.

أنا أعيش داخل هذا العالم، وأكتب هذا لمن في حياتي ممن لا يعيشونه: عائلتي، أصدقائي، والناس الذين يهمني أمرهم مثلك، والذين يسألونني باستمرار:
«وش سالفة الذكاء الاصطناعي؟»

كنت أعطيهم إجابة غير واقعية.
نسخة مهذبة، نسخة أحاديث مجالس.

لأن النسخة الصادقة كانت تبدو كأنني فقدت عقلي.
وكأنني مجنون.

لفترة، قلت لنفسي إن هذا سبب كافٍ لأحتفظ بما يحدث لنفسي.

لكن الفجوة بين الصورة المنتشرة عند الناس والواقع اتسعت بشكل خطير، وصرت مقتنعًا أن البشر يستحقون أن يسمعوا الحقيقة كما هي، حتى لو كانت مزعجة، وحتى لو بدوت مجنونًا في نظرهم.


من يصنع المستقبل فعلًا؟

أريد أن أوضح شيئًا من البداية:
رغم أنني أعمل في الذكاء الاصطناعي، فإن تأثيري على ما سيحدث قريبًا شبه معدوم.
ليس لي قيمة حقيقية في توجيه هذا المسار، وكذلك أغلب زملائي في الصناعة.

المستقبل تشكله مجموعة صغيرة جدًا:
بضع مئات من الباحثين في عدد محدود من الشركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle DeepMind وغيرها.

جولة تدريب واحدة يديرها فريق صغير خلال بضعة أشهر قد تنتج نظامًا يغيّر مسار التقنية بالكامل.

أغلبنا يبني فوق أسس لم نضعها.
نحن نشاهد ما يحدث مثل الجميع، فقط لأننا قريبون بما يكفي لنشعر باهتزاز الأرض أولًا.

لكن الآن ليس وقت «لاحقًا».
هذا يحدث الآن، وأحتاجك أن تفهمه.


لماذا يحذّر العاملون في المجال؟

هناك شيء لا يفهمه معظم الناس خارج التقنية:
سبب تحذير كثيرين في الصناعة اليوم هو أن هذا الأمر حدث لنا بالفعل.

نحن لا نطلق توقعات.
نحن نخبرك بما وقع داخل وظائفنا، ونحذّرك أن دورك قادم.

لسنوات كان الذكاء الاصطناعي يتحسن تدريجيًا.
قفزات متباعدة، يمكن استيعابها.

ثم في عام 2025 ظهرت تقنيات جديدة سرعت الوتيرة بشكل غير مسبوق.
أصبحت أسرع، ثم أسرع، ثم أسرع مرة أخرى.

كل نموذج جديد لم يكن أفضل فقط، بل أفضل بفارق أكبر، ومع فواصل زمنية أقصر.


اللحظة التي غيّرت كل شيء

بدأت أستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر، وأراه يتولى مهام كنت أعتقد أنها تحتاج خبرتي.

ثم في 5 فبراير، أطلق مختبران كبيران نماذج جديدة في اليوم نفسه:
GPT-5.3 Codex من OpenAI وOpus 4.6.

وهنا حدث شيء داخلي.

ليس كزر يضيء فجأة، بل كلحظة تدرك فيها أن الماء كان يرتفع حولك، والآن صار عند صدرك.

لم أعد مطلوبًا للجزء التقني الفعلي من عملي.
أصف ما أريد بناءه بلغة إنجليزية عادية… فيظهر.

ليس مسودة تحتاج إصلاحًا، بل الشيء النهائي.

أقول للذكاء الاصطناعي ما أريد، أبتعد عن الكمبيوتر أربع ساعات، ثم أعود فأجد العمل منجزًا.
أحيانًا بجودة أفضل مما كنت سأفعله بنفسي، ودون حاجة لتصحيح.

قبل شهرين كنت أوجه وأعدّل.
الآن أصف النتيجة وأغادر.


مثال عملي من الواقع

أطلب من الذكاء الاصطناعي:
«أريد بناء هذا التطبيق. هذا ما يجب أن يفعله، وهذا شكله تقريبًا».

فيستخرج برمجيات المستخدم، التصميم، كل شيء.
يكتب عشرات الآلاف من أسطر الكود.

ثم يفتح التطبيق بنفسه، يضغط الأزرار، يختبر الخصائص، ويستخدمه كما يستخدمه الإنسان.

إذا لم يعجبه شيء، يعود ويغيره من تلقاء نفسه.
يكرر التحسين، يصلّح ويصقل، ثم يقول: «جاهز لتختبره».

وعندما أختبره، يكون شبه مثالي.

هذا حرفيًا ما حدث يوم الاثنين من هذا الأسبوع.


لماذا كانت البرمجة أولًا؟

ليس لأن البرمجة أهم مهنة في العالم، بل لأن بناء الذكاء الاصطناعي نفسه يحتاج برمجة ضخمة.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي قويًا في كتابة الكود، يساعد الباحثين في بناء النسخة التالية منه.
والنسخة التالية تكون أذكى، فتكتب كودًا أفضل، فتُسرّع إنتاج نسخة أذكى بعدها.

وهكذا تبدأ حلقة التسريع.

لهذا ضرب التغيير عملي مبكرًا.
لا لأن أحدًا استهدف المبرمجين، بل لأن البرمجة كانت الرافعة الأولى.

والآن يبدأ الانتقال إلى بقية الأعمال.


الوظائف التي ستتأثر

ما رآه العاملون في التقنية خلال السنة الماضية سيصل إلى مجالات كثيرة:

  • القانون
  • التمويل
  • الطب
  • المحاسبة
  • الاستشارات
  • الكتابة
  • التصميم
  • التحليل
  • خدمة العملاء

ليس بعد عشر سنوات.
من يبنون هذه الأنظمة يتحدثون عن سنة إلى خمس سنوات، وربما أقل.


الاعتراض الشائع… ولماذا لم يعد صالحًا

«جرّبت الذكاء الاصطناعي، وكان يهلوس وغبيًا».

هذا كان صحيحًا في 2023 وبدايات 2024.
لكن كثيرين ما زالوا يحكمون على الحاضر بعين نسخة قديمة.

في هذا المجال، سنتان زمن طويل جدًا.

النسخ المجانية متأخرة غالبًا عن أقوى ما هو متاح، ومن يستخدم الأدوات القوية يوميًا في عمل حقيقي يرى الاتجاه بوضوح.


سرعة التطور هي النقطة الأخطر

قبل سنوات قليلة، كانت النماذج تخطئ في حسابات بسيطة.
ثم صارت تجتاز اختبارات مهنية صعبة.
ثم تكتب برمجيات وتشرح علومًا معقدة.

وفي فبراير 2026 ظهرت نماذج جعلت ما قبلها يبدو كمرحلة مختلفة تمامًا.

جهة اسمها METR تقيس هذا بسؤال بسيط:
كم مدة المهمة الواقعية التي يستطيع النموذج إنجازها وحده؟

الإجابة انتقلت من دقائق إلى ساعات، ثم إلى مهام تقارب خمس ساعات من عمل خبير بشري، والرقم يتضاعف خلال أشهر.

المعنى واضح:
كلما طالت المهمة التي ينجزها وحده، اقترب من استلام وظائف كاملة.


الذكاء الاصطناعي يطوّر نفسه

في وثائق إطلاق GPT-5.3 Codex قيل إن النموذج شارك فعليًا في صنع نفسه.

استُخدمت نسخ مبكرة منه في تصحيح التدريب، إدارة الإطلاق، وتشخيص النتائج.

المعنى المباشر:
الذكاء الاصطناعي لم يعد منتجًا نهائيًا، بل أداة داخل المصنع.

وهنا تبدأ حلقة تسريع مرعبة.


ماذا يعني هذا لوظيفتك؟

بصراحة:
هناك توقعات داخل القطاع بتقليص نسبة كبيرة من وظائف المبتدئين المكتبية خلال فترة قصيرة نسبيًا.

وهذا يختلف عن موجات الأتمتة السابقة.
الذكاء الاصطناعي بديل عام للأعمال الذهنية، ويتحسن في مجالات متعددة في الوقت نفسه.


ماذا تفعل الآن؟

ابدأ استخدام الذكاء الاصطناعي بجدية داخل عملك الحقيقي.
لا كسؤال سريع، بل بإدخال مادة عملك نفسها.

جرّب، عدّل، أضف سياقًا، وكرر.
الفرق بين الاستخدام السطحي والاستخدام الحقيقي هائل.

وتعامل مع الموضوع بلا حساسية أو كبرياء.
أكثر من يتضرر هم من يرفضون التجربة.


الخلاصة

أي عمل جوهره القراءة، الكتابة، التحليل، اتخاذ القرار، والتواصل… سيتغير جذريًا.

التغيير بدأ بالفعل.

المستقبل لم يعد موضوعًا لطيفًا للحديث.
إنه حاضر، لم يطرق بابك بعد… لكنه يقترب.

* زوروا موقع سودان إكسبريس لمتابعة أحدث أخبار السودان اليوم عبر الرابط https://sudanexpress.com/



للاطلاع على المزيد من التفاصيل، يرجى زيارة الموقع الرسمي بالضغط على الرابط التالي: هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *